أحمد بن محمد مسكويه الرازي

140

تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق

التماسه بالصوت الذي هو مادته ، ودليله الذي يدل به على اللذة والأذى . ثم تتزايد فيه هذه القوة ويتشوق بها ابدا إلى الازدياد ، والتصرف بها في أنواع الشهوات ، ثم تحدث فيه قوة على التحرك نحوها بالآلات التي تخلق له ، ثم يحدث له التشوق إلى الافعال التي تحصل له هذه ثم يحدث له من الحواس قوة على تخيل الأمور ويرتسم في قوته الخيالية مثالات فيتشوق إليها ، ثم تظهر فيه قوة الغضب التي يشتاق بها إلى دفع ما يؤذيه ، ومقاومة ما يمنعه من منافعه ، فان أطاق بنفسه أن ينتقم من مؤذياته انتقم منها ، والا التمس معونة غيره وانتصر بوالديه بالتصويت والبكاء . ثم يحدث له الشوق إلى تمييز الافعال الانسانية خاصة أولا أولا ، حتى يصير إلى كماله في هذا التمييز ، فيسمى حينئذ عاقلا . وهذه القوى كثيرة وبعضها ضروري في وجود الأخرى ، إلى أن ينتهي إلى الغاية الأخيرة ، وهي التي لا تراد لغاية أخرى ، وهو الخير المطلق الذي يتشوقه الانسان من حيث هو انسان ، فأول ما يحدث فيه من هذه القوة الحياء ، وهو الخوف من ظهور شيء قبيح منه . ولذلك قلنا : ان أول ما ينبغي أن يتفرس « 1 » في الصبي ويستدل به على عقله الحياء ، فإنه يدل على أنه قد أحس بالقبيح ، ومع أحساسه به هو يحذره ويتجنبه ، ويخاف ان يظهر منه أو فيه . فإذا نظرت إلى الصبي فوجدته مستحييا مطرقا بطرفه إلى الأرض ، غير وقاح الوجه ولا محدق إليك ، فهو أول دليل نجابته ، والشاهد لك على أن نفسه قد أحست بالجميل والقبيح ، وان حياءه هو انحصار نفسه خوفا من قبيح يظهر منه ، وهذا ليس بشيء أكثر من ايثار الجميل والهرب من القبيح بالتمييز والعقل ، وهذه النفس مستعدة للتأديب صالحة للعناية لا يجب ان تهمل ولا تترك ، ومخالطة الاضداد الذين يفسدون بالمقارنة

--> ( 1 ) . من الفروسية والذكاء ، أي : يتطلّع .